آخر الأحداث والمستجدات
هل عودة خدمة النقل الحضري بمكناس بحافلات طنجة المستعملة إنجاز نصفق له ؟
نعم، وبكل وضوح، يحق لنا أن نصفق لعودة خدمة النقل الحضري إلى مدينة مكناس، حتى وإن كانت البداية بحافلات مستعملة قادمة من طنجة. فمن يقلل اليوم من شأن هذا الحل، ربما يتجاهل حجم الأزمة التي عاشتها المدينة خلال الأسابيع الماضية، ويتعامل مع ملف النقل الحضري بمنطق الصورة المثالية، بدل منطق الواقع والإكراهات والاستعجال.
فالأمر لا يتعلق باقتناء حافلات جديدة لتدشين مرحلة جديدة في ظروف عادية، بل بمدينة وجدت نفسها، بشكل مفاجئ، أمام توقف شبه كامل لخدمة حيوية يعتمد عليها آلاف العمال والتلاميذ والطلبة والموظفين والمواطنين في تنقلاتهم اليومية. كما تحولت الأزمة إلى مشكل اجتماعي حقيقي بالنسبة لمئات الأسر التي ترتبط معيشتها بشكل مباشر أو غير مباشر بقطاع النقل الحضري.
ولم تكن آثار توقف الحافلات مجرد أرقام أو نقاشات على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت معاناة المواطن المكناسي جزء من تفاصيل الحياة اليومية، فيما اضطر العديد من التلاميذ والطلبة إلى البحث عن وسائل بديلة للوصول إلى مؤسساتهم التعليمية، ووجد العمال والموظفون أنفسهم أمام تكاليف إضافية وصعوبات حقيقية في التنقل. بل إن مؤسسات ومعاهد اضطرت، بحسب المعطيات المتداولة، إلى تأجيل انطلاقة الدروس في انتظار استئناف خدمة النقل الحضري.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الحافلات المستعملة هي الحل المثالي؟، لأن الجميع يعرف أنها ليست كذلك. السؤال الذي يجب طرحه هو: ماذا كان البديل في هذه اللحظة بالضبط؟ هل كان من الأفضل ترك مدينة بمئات الآلاف من السكان دون حافلات إلى حين وصول الأسطول الجديد؟ وهل كان من المنطقي انتظار سنة 2027، الموعد الذي يرتبط ببرمجة المرحلة الجديدة للنقل الحضري وتزويد مكناس بحصتها من الحافلات الجديدة، حتى تستعيد المدينة خدمة أساسية؟
فمكناس تعرف أن تدبير قطاع النقل ليس لعبة يمكن فيها اتخاذ قرارات مرتجلة. وتاريخ المدينة مع هذا القطاع يؤكد أن أي فراغ في خدمة النقل يمكن أن يتحول إلى أزمة اجتماعية حقيقية. ولا تزال ذاكرة المكناسيين تحتفظ بصور أزمات سابقة، اضطر خلالها المسؤولون إلى البحث عن حلول استثنائية، ووصل الأمر إلى الاستعانة بحافلات النقل الطرقي وسيارات النقل المزدوج من أجل تأمين تنقل التلاميذ والطلبة والمواطنين.
كما أن مسار سيتي باص نفسه يكشف حجم تعقيد هذا الملف. فقد بدأت الشركة تدبير النقل الحضري بمكناس سنة 2005، قبل أن يستمر العقد، بعد التعديلات والتمديدات التي عرفها، إلى غاية سنة 2027. وكان الهدف من تمديد العقد تمكين الشركة من الوفاء بالتزامات مرتبطة بتجديد الأسطول وتحسين الخدمة، غير أن الوضع انتهى إلى تراجع كبير في مستوى النقل وتوقف الخدمة، ما دفع جماعة مكناس في يوليوز الماضي إلى اتخاذ قرار فسخ العلاقة التعاقدية معها بعد استنفاد المساطر المتاحة.
إن آلاف المكناسيين الذين ينتظرون اليوم بشغف عودة الحافلات لا يهمهم كثيرا مصدر الحافلة بقدر ما يهمهم أن يجدوا وسيلة نقل تنقلهم إلى مدارسهم وجامعاتهم وأماكن عملهم ومستشفياتهم. المواطن الذي ظل لأشهر يؤدي مبالغ إضافية من أجل التنقل بسيارات الأجرة أو الوسائل الخاصة، لن يطرح السؤال نفسه الذي يطرحه البعض من خلف شاشات الهواتف: هل الحافلة جديدة أم مستعملة؟ سيسأل ببساطة: متى ستعود الحافلات؟
والأهم من ذلك أن عودة النقل الحضري في هذا التوقيت تعني وضع حد لمحاولة فرض الأمر الواقع والضغط الذي خلفه توقف الشركة عن الاستمرار في تقديم الخدمة. فالتدبير المسؤول لم يكن يقتضي الدخول في مغامرة غير محسوبة، بل البحث عن حل يحافظ على استمرارية المرفق العمومي ويجنب المدينة سيناريوهات أكثر تعقيدا.
ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار إعادة تشغيل النقل الحضري أحد أكبر إنجازات المجلس الجماعي لمكناس خلال ولايته الحالية، ليس لأن المجلس اخترع حلا سحريا أو أنهى الملف بشكل نهائي، ولكن لأنه واجه واحدة من أصعب الأزمات الاجتماعية والخدماتية التي عرفتها المدينة، ونجح، بتنسيق مع السلطات المحلية ومصالح وزارة الداخلية، في إيجاد مخرج عملي وواقعي من حالة الشلل.
والإنجاز لا يتوقف عند إعادة الحافلات إلى شوارع مكناس، بل يمتد أيضا إلى إنقاذ مئات العمال وأسرهم من حالة القلق والمجهول التي وجدوا أنفسهم فيها بعد توقف الشركة السابقة. فهؤلاء لم يكونوا مجرد أرقام في ملف إداري، وإنما أسر والتزامات ومستقبل مهني كان مهددا بالضياع. وإدماجهم في الشركة التي تم إحداثها لتدبير قطاع النقل الحضري، مع ضمان الاستقرار والاستفادة من تحفيزات وظروف عمل أفضل، يمثل في حد ذاته مكسبا اجتماعيا مهما. ومن هذه الزاوية أيضا، يحق لكل من ساهم في هذا الحل أن نوجه له التحية ونصفق له بحرارة، لأن إنقاذ خدمة عمومية يعني في الوقت نفسه إنقاذ أرزاق وطمأنة أسر وإعادة الأمل إلى مئات البيوت المكناسية.
لذلك، نعم، عودة خدمة النقل الحضري بمكناس، حتى بحافلات مستعملة في هذه المرحلة الانتقالية، إنجاز يستحق الإشادة والتصفيق. ويحق لنا أن نصفق بحرارة لكل من ساهم في تحقيقه، سواء رئيس جماعة مكناس وفريق عمله، أو عامل عمالة مكناس، أو مختلف مصالح وزارة الداخلية التي ساهمت في إيجاد مخرج سريع لهذه الأزمة.
أما الحافلات الجديدة والنموذج الجديد للتدبير، فذلك هو الموعد الذي يجب أن يستعد له الجميع من الآن. أما اليوم، فالمكناسيون يريدون شيئا واحدا : أن تعود الحافلات إلى الشوارع، وأن تنتهي رحلة المعاناة اليومية التي لم يكن أحد يتمنى أن تستمر يوما إضافيا.
| الكاتب : | المكناسي عثمان |
| المصدر : | هيئة تحرير مكناس بريس |
| التاريخ : | 2026-09-06 15:34:11 |











